سميح عاطف الزين
637
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
من خزاعة يسمى أبو كرز كان يقفو الأثر ، ويكتشف مسالك المارة . . وسار أبو كرز يتعقّب أثر النبي ، حتى استطاع أن يميز أثار قدميه على الأرض ، من آثار قدمي شخص آخر يرافقه ، فاتبعها حتى وصل إلى باب غار ثور ، فقال : ما جاوزا هذا المكان ، فإمّا أن يكونا قد صعدا إلى السماء أو أنهما دخلا تحت الأرض . . وكانت لحظة من أدق اللحظات ، فيها نظرت السماء إلى الأرض فإذا هي تحبس أنفاسها لأن ما يتقرّر في هذه اللحظة قد يكون : إما شقاء الناس على هذه الأرض إلى ما لا نهاية له ، وإما بزوغ فجر جديد على الإنسانية ، فيه تتفتح آفاق العقل والشعور ليدرك الإنسان الحقائق التي تدل على عظمة الخالق ، وعلى سمو خلق الإنسان . . نعم لقد حبست الأرض أنفاسها لئلا يتغلب الكفر على الإيمان ، والباطل على الحق ، فكانت تلك اللحظات رهيبة في عمر الزمان . . وفي داخل الغار كان العرق يتصبّب من أبي بكر ، وهو يسمع ما يقوله أبو كرز فيخاف من أن تقتحم عليهما العصبة المطاردة مخبأهما ، ولكنه لا يجد إلّا أن يمسك أنفاسه ، ويبقى بلا حراك ، وهو يسلم أمره للّه العلي القدير . . وراحت تلك الزمرة تدور حول الغار ، منهم من يعتلي فوق صخرته ، ومنهم من يحدّق في فرجتيه من الجانبين . وبعضهم يذهب بعيدا عنه ، حتى إذا لم يجدوا شيئا ، قالوا : ولم لا ننظر في الغار ؟ . وأية حماقة في ولوج هذا المدخل الضيّق ، والعناكب قد نسجت خيوطها على الباب ، فلا يمكن أن يدخله أحد دون أن تتبدّد تلك الخيوط الواهية التي تؤلف بيتا للعنكبوت . ثم إن على باب الغار حمامتين قد عشّشتا وباضتا في عشيهما منذ زمن طويل ، فهل يعقل أن